الشوكاني

53

فتح القدير

أو أخبرهم بأن الله قد غفر لهم ذلك اليوم على تقدير الوقف على عليكم ( وهو أرحم الراحمين ) يرحم عباده رحمة لا يتراحمون بها فيما بينهم فيجازى محسنهم ويغفر لمسيئهم . قوله ( اذهبوا بقميصي هذا ) قيل هذا القميص هو القميص الذي ألبسه الله إبراهيم لما ألقى في النار وكساه إبراهيم إسحاق وكساه إسحاق يعقوب . وكان يعقوب أدرج هذا القميص في قضيبه وعلقه في عنق يوسف لما كان يخاف عليه من العين ، فأخبر جبريل يوسف أن يرسل به إلى يعقوب ليعود عليه بصره لأن فيه ريح الجنة . وريح الجنة لا يقع على سقيم إلا شفى ولا مبتلى إلا عوفي ( فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا ) أي يصر بصيرا على أن " يأت " هي التي من أخوات كان . قال الفراء : يرجع بصيرا . وقال السدي : يعد بصيرا . وقيل معناه : يأت إلى إلى مصر وهو بصير قد ذهب عنه العمى . ويؤيده قوله ( وأتوني بأهلكم أجمعين ) أي جميع من شمله لفظ الأهل من النساء والذراري ، قيل كانوا نحو سبعين . وقيل ثلاثة وتسعين ( ولما فصلت العير ) أي خرجت منطلقة من مصر إلى الشام ، يقال فصل فصولا ، وفصلته فصلا ، لازم ومتعد ، ويقال فصل من البلد فصولا : إذا انفصل عنه وجاوز حيطانه ( قال أبوهم ) أي يعقوب لمن عنده في أرض كنعان من أهله ( إني لأجد ريح يوسف ) قيل إنها هاجت ريح فحملت ريح القميص إلى يعقوب مع طول المسافة ، فأخبرهم بما وجد ، ثم قال ( لولا أن تفندون ) لولا أن تنسبوني إلى الفند . وهو ذهاب العقل من الهرم . يقال أفند الرجل : إذا خرف وتغير عقله . وقال أبو عبيدة : لولا أن تسفهون ، فجعل الفند السفه . وقال الزجاج : لولا أن تجهلون ، فجعل الفند الجهل . ويؤيد قول من قال إنه السفه قول النابغة : إلا سليمان إذ قال المليك له * قم في البرية فاحددها عن الفند أي امنعها عن السفه . وقال أبو عمرو الشيباني : التفنيد التقبيح ، ومنه قول الشاعر : يا صاحبي دعا لومي وتفنيد * فليس ما فات من أمري بمردود وقيل هو الكذب ، ومنه قول الشاعر : هل في افتخار الكريم من أود * أم هل لقول الصديق من فند وقال ابن الأعرابي ( لولا أن تفندون ) لولا أن تضعفوا رأيي . وروى مثله عن أبي عبيدة . وقال الأخفش : التفنيد اللوم وضعف الرأي . وكل هذه المعاني راجع إلى التعجيز وتضعيف الرأي . يقال فنده تفنيدا : إذا عجزه ، وأفند : إذا تكلم بالخطأ . والفند : الخطأ من الكلام ، ومما يدل على إطلاقه على اللوم قول الشاعر : يا عاذلي دعا الملام وأقصرا * طال الهوى وأطلتما التفنيدا أخبرهم يعقوب بأن الصبا قد حملت إليه ريح حبيبه . وأنه لولا ما يخشاه من التفنيد لما شك في ذلك : فإن الصبا ريح إذا ما تنفست * على نفس مهموم تجلت همومها إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني * نسيم الصبا من حيث ما يطلع الفجر ولقد تهب لي الصبا من أرضها * فيلذ مس هبوبها ويطيب ( قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم ) أي قال الحاضرون عنده من أهله : إنك يا يعقوب لفي ذهابك عن طريق الصواب الذي كنت عليه قديما من إفراط حبك ليوسف لا تنساه ، ولا تفتر عنه ، ولسان حال يعقوب يقول لهم : لا يعرف الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيها